« الكون الأنيق
المقدمة
»
الجاذبية الخارجية

في شهر نوفمبر 1974 كان إطلاق أول رسالة لا سلكية من تلسكوب مرصد أريكيبو في بورتو ريكو, موجهة للفضاء الخارجي للاتصال بكائنات في الفضاء الخارجي. وكانت مدة الرسالة المشفرة ثلاث دقائق، حيث تضمنت معلومات أساسية عن الجنس البشري وشرحاً للعناصر الأساسية الموجودة على كوكب الأرض، وتركيب الحامض النووي الذي تتكون منه خلايا الإنسان، بالإضافة إلى رسومات إيضاحية للمجموعة الشمسية والجسم البشري وتلسكوب أريكيبو. ولا تزال الرسالة اللاسلكية تسبح في الفضاء، منذ أكثر من ربع قرن، في رحلة مدتها 13,000 عام كي تصل إلى عنقود مسييه 13 النجمي الذي يتكون من 300 ألف نجم، وكانت رسالة أهل الأرض للسماء.

فنحن نعيش في كون عجيب معقد. فالكون مرآتي "التناظُر" (symmetry). فلو انشطر لنصفين متساويين يكون أشبه بالمرآةَ العادية التي تقلب صورة الشيء، فتجعل اليمينَ يسارًا واليسارَ يمينًا، في حين أنها لا تقلب الأعلى لأسفل والأسفل لأعلى. وفي اكتشاف نيوتن للجاذبية سمَّاها الجاذبية الكونية، وكان يعتقد أن اكتشافه هذا يعتبر مفتاح المعرفة الكاملة التي ستفسِّر كوامن الكون الغامض الذي يضم مجموع الموجودات الكائنة من مختلف صور المادة (من جماد وأحياء) والطاقة والزمان والمكان. فحجم كوننا الحقيقي لا يزال غير معروف. وحالياً كلمة "الكون" تقتصر على الأجرام السماوية من مجرات ونجوم وكواكب، بأشكالها وأحجامها وكتلها وصفاتها وحركاتها وقوى الترابط بينها وتركيبها الكيميائي وصفاتها الفيزيائية وهيئاتها المختلفة وكيفية نشأتها وتاريخها ونهايتها، ويتم هذا من خلال دراسة علم الكون (Cosmology)، وعلم أصل الكون (Cosmogenesis).

فالنجوم الرائعة التي نراها بالسماء تضيء نقاب الكون المترامي خلفها، حيث عشرات البلايين من المجرات التي تتواري خلف أطراف مجرتنا درب اللبانة (Milky Way)، والتي تضم وحدها أكثر من 100 بليون نجم. والكون المترامي فراغ واسع ومفتوح يضم كل شيء صغيراً كان أم كبيراً، والمادة فيه تتكون من ذرات، تتكون من إلكترونات، وهي من جسيمات اللبتونات (leptons) تدور بالذرة حول النواة المكونة من بروتونات ونيوترونات، المكونة بدورها من جسيمات الكواركات (quarks). وكان علماء الفلك بالمرصد الياباني سوبارو في هاواي عام 1998 تمكنوا من الكشف عن أسرار هذا الكون اللا محدود بالنظر إلى منطقة فيه تظهر بها المجرات مثل جواهر متناثرة، من خلال نظرة بشرية إلى أقصى حافة ممكنة بالكون الذي نعرفه، وهو كون خرافي الأبعاد. وبتوجيه العدسات بتلسكوبه العملاق نحو القطب الشمالي للمجرة يرى منظر تقلُّ فيه نسبياً أعداد النجوم والكواكب في المجرات المجاورة، وتظهر صور المجرات الضخمة إهليليجية (بيضاوية) الشكل، والصغيرة خافتة لونها أزرق قاتم، كما تظهر صور أجسام سماوية حمراء لامعة هي عبارة عن نجوم ناشئة حديثاً، وزوايا حواف الكون حيث لم يستطع أحد الكشف عن المجرات الضعيفة الباهتة البعيدة.